فصل: قال الماوردي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.من أقوال المفسرين:

.قال الفخر:

{إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ}.
اعلم أنه سبحانه وتعالى لما بين المبدأ والمعاد والنبوة ومقدمات القيامة وصفة أهل القيامة من الثواب والعقاب، وذلك كمال ما يتعلق ببيان أصول الدين ختم الكلام بهذه الخاتمة اللطيفة فقال: قل يا محمد إني أمرت بأشياء: الأول: أني أمرت أن أخص الله وحده بالعبادة ولا أتخذ له شريكًا، وأن الله تعالى لما قدم دلائل التوحيد فكأنه أمر محمدًا بأن يقول لهم هذه الدلائل التي ذكرتها لكم إن لم تفد لكم القول بالتوحيد فقد أفادت لي ذلك فسواء قبلتم هذه الدعوة أو أعرضتم عنها، فإني مصر عليها غير مرتاب فيها ثم إنه وصف الله تعالى بأمرين: أحدهما: أنه رب هذه البلدة والمراد مكة وإنما اختصها من بين سائر البلاد بإضافة اسمه إليها لأنها أحب بلاده إليه وأكرمها عليه وأشار إليها إشارة تعظيم لها دالًا على أنها موطن نبيه ومهبط وحيه.
أما قوله: {الذى حَرَّمَهَا} فقرئ: {التي حرمها} وإنما وصفها بالتحريم لوجوه: أحدها: أنه حرم فيها أشياء على من يحج وثانيها: أن اللاجيء إليها آمن.
وثالثها: لا ينتهك حرمتها إلا ظالم ولا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها وإنما ذكر ذلك لأن العرب كانوا معترفين بكون مكة محرمة وعلموا أن تلك الفضيلة ليست من الأصنام بل من الله تعالى، فكأنه قال لما علمت وعلمتم أنه سبحانه هو المتولي لهذه النعم وجب عليَّ أن أخصه بالعبادة وثانيها: وصف الله تعالى بقوله: {وَلَهُ كُلُّ شيء} وهذا إشارة إلى ما تقدم من الدلائل المذكورة في هذه السورة على التوحيد من كونه تعالى خالقًا لجميع النعم فأجمل ههنا تلك المفصلات، وهذا كمن أراد صفة بعض الملوك بالقوة فيعد تلك التفاصيل ثم بعد التطويل يقول إن كل العالم له وكل الناس في طاعته الثاني: أمر بأن يكون من المسلمين الثالث: أمر بأن يتلو القرآن عليهم، ولقد قام بكل ذلك صلوات الله عليه أتم قيام فمن اهتدى في هذه المسائل الثلاث المتقدمة وهي التوحيد والحشر والنبوة {فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ} أي منفعة اهتدائه راجعة إليه {وَمَن ضَلَّ} فلا علي وما أنا إلا رسول منذر، ثم إنه سبحانه ختم هذه السورة بخاتمة في نهاية الحسن وهي قوله: {وَقُلِ الحمد لِلَّهِ} على ما أعطاني من نعمة العلم والحكمة والنبوة أو على ما وفقني من القيام بأداء الرسالة وبالإنذار {سَيُرِيكُمْ ءاياته} القاهرة {فَتَعْرِفُونَهَا} لكن حين لا ينفعكم الإيمان {وَمَا رَبُّكَ بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ} لأنه من وراء جزاء العاملين، والله أعلم.
تم تفسير السورة والحمد لله رب العالمين، وصلاته على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين على أزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. اهـ.

.قال الماوردي:

قوله: {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدُ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدِةِ الَّذِي حَرَّمَهَا}.
فيها قولان:
أحدهما: مكة، قاله ابن عباس.
الثاني: مِنى، قاله أبو العالية، وتحريمها هو تعظيم حرمتها والكف عن صيدها وشجرها.
{وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ} يعني ملك كل شيء مما أحله وحرمه فيحل منه ما شاء ويحرم منه ما شاء لأن للمالك أن يفعل في ملكه ما يشاء.
قوله: {سَيُرِيكُمْ ءَآيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا} فيه وجهان:
أحدهما: يريكم في الآخرة فتعرفونها على ما قال في الدنيا، قاله الحسن.
الثاني: يريكم في الدنيا ما ترون من الآيات في السموات والأرض فتعرفونها أنها حق، قاله مجاهد.
{وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} من خير أو شر فلابد أن يجازي عليه، والله أعلم. اهـ.

.قال ابن عطية:

وقوله: {إنما أمرت} بمعنى قل يا محمد لقومك {إنما أمرت}، و{البلدة} المشار إليها مكة، وقرأ جمهور الناس {الذي حرمها} وقرأ ابن عباس وابن مسعود {التي حرمها} وأضاف في هذه الآية التحريم إلى الله تعالى من حيث ذلك بقضائه وسابق علمه وأضافه النبي صلى الله عليه وسلم إلى إبراهيم في قوله: {إن إبراهيم حرم مكة وإني حرمت المدينة} من حيث كان ظهور ذلك بدعائه ورغبته وتبليغه لأمته فليس بين الآية والحديث تعارض، وفي قوله: {حرمها} تعديد نعمته على قريش في رفع الله تعالى عن بلدهم الغارات والفتن الشائعة في جميع بلاد العرب، وقوله: {وله كل شيء} معناه بالملك والعبودية، وقرأ جمهور الناس {أن أتلو} عطفًا على قوله: {أن أكون} وقرأ ابن مسعود {وأن اتل القرآن} بمعنى وقيل لي اتل القرآن و{اتل} معناه تابع بقراءتك بين آياته واسرده وتلاوة القرآن سبب الاهتداء إلى خير كثير، وقوله: {فمن اهتدى} معناه من تكسب الهدى والإيمان ونظر نظرًا ينجيه ف {لنفسه} سعيه.
قال القاضي أبو محمد: فنسبة الهدى والضلال إلى البشر في هذه الآية إنما هي بالتكسب والحرص والحال التي يقع عليها الثواب والعقاب والكل أيضًا من الله تعالى بالاختراع، وقوله: {سيريكم آياته} توعد بعذاب الدنيا كبدر، والفتح، ونحوه وبعذاب الآخرة، وقرأ جمهور القراء {عما يعملون} وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم عما {تعملون} بالتاء من فوق على مخاطبتهم. اهـ.

.قال ابن الجوزي:

قوله تعالى: {إِنَّما أُمِرْتُ}.
المعنى: قل للمشركين: إِنَّما أُمِرْتُ {أنْ أعبُد ربَّ هذه البلدة الذي حرَّمها} وقرأ ابن مسعود، وأبو عمران الجوني: {التي حرَّمها}، وهي مكة، وتحريمها: تعظيم حرمتها بالمنع من القتل فيها والسبي والكفّ عن صيدها وشجرها، {وله كُلُّ شيء} لأنه خالقه ومالكه، {وأُمِرْتُ أن أكون من المسلِمِين} أي: من المخلِصِين لله بالتوحيد، {وأن أتلوَ القرآن} عليكم {فمن اهتدى فإنَّما يهتدي لنفسه} أي: فله ثواب اهتدائه {ومَنْ ضَلَّ} أي: أخطأ [طريق] الهُدى {فَقُلْ إِنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِين} أي: ليس عليَّ إِلا البلاغ؛ وذكر المفسرون أن هذا منسوخ بآية السيف، {وقُلِ الحمدُ لله} أي: قُلْ لِمن ضَلَّ: الحمد لله الذي وفَّقَنا لقَبول ما امتنعتم منه {سيريكم آياته}.
ومتى يريهم؟ فيه قولان:
أحدهما: في الدنيا.
ثم فيها ثلاثة أقوال:
أحدها: أن منها الدخان وانشقاق القمر، وقد أراهم ذلك، رواه أبو صالح عن ابن عباس.
والثاني: سيريكم آياته [فتعرفونها] في السماء، وفي أنفسكم، وفي الرِّزق، قاله مجاهد.
والثالث: القتل ببدر، قاله مقاتل.
والثاني: سيُريكم آياته في الآخرة فتَعْرِفونها على ما قال في الدنيا، قاله الحسن.
قوله تعالى: {وما ربُّك بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} وقرأ نافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم {تعملون} بالتاء، على معنى: قل لهم، وقرأ الباقون بالياء، على أنه وعيد لهم بالجزاء على أعمالهم. اهـ.

.قال القرطبي:

قوله تعالى: {إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبِّ هَذِهِ البلدة الذي حَرَّمَهَا} يعني مكة التي عظّم الله حرمتها؛ أي جعلها حرمًا آمنًا؛ لا يسفك فيها دم، ولا يظلم فيها أحد، ولا يصاد فيها صيد، ولا يعضد فيها شجر؛ على ما تقدّم بيانه في غير موضع.
وقرأ ابن عباس: {الَّتِي حَرَّمَهَا} نعتًا للبلدة.
وقراءة الجماعة {الَّذِي} وهو في موضع نصب نعت ل {رب} ولو كان بالألف واللام لقلت المحرِّمَها؛ فإن كانت نعتًا للبلدة قلت المحرِّمِها هو؛ لابد من إظهار المضمر مع الألف واللام؛ لأن الفعل جرى على غير من هو له؛ فإن قلت الذي حرمها لم تحتج أن تقول هو.
{وَلَهُ كُلُّ شَيءٍ} خلقًا وملكًا.
{وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المسلمين} أي من المنقادين لأمره، الموحِّدين له.
{وَأَنْ أَتْلُوَ القرآن} أي وأمرت أن أتلو القرآن، أي أقرأه.
{فَمَنِ اهتدى} فله ثواب هدايته.
{وَمَن ضَلَّ} فليس عليّ إلا البلاغ؛ نسختها آية القتال.
قال النحاس: {وَأَنْ أَتْلُوَ} نصب بأن.
قال الفرّاء: وفي إحدى القراءتين {وَأَنِ اتْلُ} وزعم أنه في موضع جزم بالأمر فلذلك حذف منه الواو، قال النحاس: ولا نعرف أحدًا قرأ هذه القراءة، وهي مخالفة لجميع المصاحف.
قوله تعالى: {وَقُلِ الحمد للَّهِ} أي على نعمه وعلى ما هدانا.
{سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ} أي في أنفسكم وفي غيركم كما قال: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ} [فصلت: 53].
{فَتَعْرِفُونَهَا} أي دلائل قدرته ووحدانيته في أنفسكم وفي السموات وفي الأرض؛ نظيره قوله تعالى: {وَفِي الأرض آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 20 21].
{وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} قرأ أهل المدينة وأهل الشام وحفص عن عاصم بالتاء على الخطاب؛ لقوله: {سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا} فيكون الكلام على نسق واحد.
الباقون بالياء على أن يرد إلى ما قبله {فَمَنِ اهْتَدَى} فأخبر عن تلك الآية.